الأحد، 16 يونيو 2013

17- ميزان : ( الفصل الدراسي عند السلف الصالح )










جاء في سير أعلام النبلاء (7/ 182)

في ترجمة الإِمَامُ، القُدْوَةُ، الرَّبَّانِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ شُرَيْحٍ أَبُو

 شُرَيْحٍ المَعَافِرِيُّ ، أَبُو شُرَيْحٍ المَعَافِرِيُّ، الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، العَابِدُ.

(...عن مُحَمَّدُ بنُ عُبَادَةَ المَعَافِرِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي شُرَيْحٍ -رَحِمَهُ 

اللهُ- فَكَثُرَتِ المَسَائِلُ،

فَقَالَ: قَدْ دَرِنَتْ قُلُوْبُكُم، فَقُوْمُوا إِلَى خَالِدِ بنِ حُمَيْدٍ المَهْرِيِّ،

اسْتَقِلُّوا قُلُوْبَكُم،

وَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الرَّغَائِبَ وَالرَّقَائِقَ،

فَإِنَّهَا تُجَدِّدُ العِبَادَةَ، 

وَتُورِثُ الزَّهَادَةَ،

وَتَجُرُّ الصَّدَاقَةَ،

وَأَقِلُّوا المَسَائِلَ، فَإِنَّهَا فِي غَيْرِ مَا نَزَلَ

تُقَسِّي القَلْبَ، 

وَتُورِثُ العَدَاوَةَ ".


قُلْتُ: " صَدَقَ -وَاللهِ- فَمَا الظَّنُّ إِذَا كَانَتْ مَسَائِلُ الأُصُوْلِ، وَلوَازِمُ

 الكَلاَمِ فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ؟

فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ مِنْ تَشْكِيكَاتِ المَنطِقِ،

وَقَوَاعِدِ الحِكْمَةِ،

وَدِيْنِ الأَوَائِلِ؟!

فكَيْفَ إِذَا كَانَتْ مِنْ حَقَائقِ الاتِّحَادِيَّةِ ،

( والاتحادية : فرقة ضالة. يقولون بوحدة الموجود، وهو مذهب

 باطل، يعري القائل به من الإسلام، لأنه يعد الله والوجود شيئا

 واحدا).

وَزَنْدَقَةِ السَّبْعِيْنِيَّةِ ،

(فرقة نسبت إلى رئيسها: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر

 بن سبعين الاشبيلي المرسي، المتوفى سنة 669 هـ . ومن زندقته

 ما اشتهر عنه أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعا بقوله:

 " لا نبي بعدي " ).

وَمَرَقِ البَاطِنِيَّةِ ،؟!



(دعوة انتشرت في زمان الخليفة العباسي المعتصم ،والذين

 وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، فأظهروا

 الإسلام وأبطنوا المجوسية.)

فَوَاغُربَتَاهُ ، وَيَا قِلَّةَ نَاصِرَاهُ ، آمَنْتُ بِاللهِ ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ ".


أ - الرؤية التربوية في الموقف.


1- وجوب احترام مجالس العلم حيث يوجد العالم الرباني والمربي 

الأمين فلا بد من الإنصات له والإفادة من الوقت عنده فذاك كنز

 من فرط فيه فهو الأحمق.

2- إن الأستاذ العالم والمربي الناصح هو الذي يحرص على

 متابعة أحوال تلامذته المتعددة واهتمامات طلابه وخاصة الفكرية 

والسلوكية وتوجيههم لما فيه صلاح أحوالهم وطهارة قلوبهم

 وتزكية نفوسهم والارتقاء بالناحية العلمية والفكرية عندهم

 وبصورة فورية عندما يرى بوادر خلل أو مرض أو انحراف .

3- كما أنه لا بد للمعلم المربي أن يبتعد عن خصلتين تقدح فيه

 كمعلم ومربي وهما : الكسل والكبر 

فلم يمهل ابن شريح تلامذته لحظة واحدة بعد ملاحظة الداء فقال (

 درنت قلوبكم ، فقوموا ) . فذلك همة ونشاط .

ولم يجد في نفسه حرجا أن يرسل طلابه وتلامذته إلى زميله

 وصديقه عندما رأى فيه أنه الأجدر بانتزاع هذا الدرن من قلوبهم

 ، ولم يدركه داء الكبر فيمنعه من النصح لتلامذته . فذلك تواضع

 وإخلاص.


ب - الرؤية العلمية والفكرية.


1- عين العالم المربي لا تهمل ثلاثة أمور في غاية الأهمية :

 1- الرصد   2- التحليل   3- الانتقاء . 

الدائم لمشكلات المجتمع ، وخاصة الشباب ، الذين هم في طور

 التربية والتعليم ، فابن شريح – رحمه الله - يرصد من خلال

 تلامذته ، مشكلة انشغال الشباب بمسائل لا تفيدهم ، بل ربما

 أوصلتهم إلى الحيرة ، والاضطراب النفسي ، والعقلي .

2- وتأملوا رصده ، لخالد بن حميد المهري ، ومتابعة مستوى

 تمكنه من علم الرغائب والرقائق ، فهما وسلوكا ، ومن ثم انتقاه

 واختاره مربيا لتلامذته .

3- وتابعوا رصده ، لنوع من العلوم ، وهو الرَّغَائِب وَالرَّقَائِق ،

 وتطور أثره ، ونتيجته، في نفوس المشتغلين به ، فيحلل ذلك الأثر

 ، ويسلط الضوء على النتيجة ، ليصل إلى أروع تفصيل. إذ يقول

 : ( وَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الرَّغَائِبَ وَالرَّقَائِقَ، فَإِنَّهَا:

1- تُجَدِّدُ العِبَادَةَ    2- وَتُورِثُ الزَّهَادَةَ    3- وَتَجُرُّ الصَّدَاقَةَ).

ويرصد في نفس الوقت، نقيض ما سبق ، وهو كثرة الجدل ، في

 مسائل لا تقوم على حقائق ، وتطور أثرالجدل المذموم ، ونتيجته

 في نفوس المشتغلين به ، فيحلل ذلك الأثر ، ويسلط الضوء على

 النتيجة ، ليصل إلى أروع تفصيل أيضا . إذ يقول :

( وَأَقِلُّوا المَسَائِلَ، فَإِنَّهَا فِي غَيْرِ مَا نَزَلَ:

 1- تُقَسِّي القَلْبَ    2- وَتُورِثُ العَدَاوَةَ ).


جـ - رؤية الحافظ الذهبي للموقف وإسقاطه على الواقع في زمنه


إن الإمام الذهبي – رحمه الله – عندما يرصد قضية من القضايا ،

 أو مسألة من المسائل – في أحد مصنفاته - لا يقف عند حد ذكرها 

فقط ، بل يتناولها بالتحليل والدراسة ، وإظهار النتائج والآثار

 المترتبة عليها .

فإن كان للمسألة أصل تاريخي سابق على عصره ، فإنع يرصد

 أيضا التسلسل التاريخي والزمني ، لهذه المسألة ، أو القضية ،

 مقارنا بين عصر وعصر في تناولها ، ومستويات الفكر الإنساني 

في التناول ، قبولا أو رفضا .

فيا بنا نراقب عبقرية الإمام الذهبي رحمه الله وهو يرصد حالة

 عبد الرحمن بن شريح مع تلامذته ، في قضية خطيرة جدا وجدت 

في عصر سابق على عصر الذهبي بما يقرب من ستة قرون ،

 وهي : الانشغال بكثرة المسائل فيما لا يفيد .

ولكن العين البصيرة بالتاريخ ، وأحداثه ، واستيعاب المواقف

 المؤثرة فيه تنتقي هذا الموقف الخاص ، كدلالة -

 في غاية الأهمية 

على ظاهرة اجتماعية ، وفكرية ، أصابت البيئة الثقافية ،

 والمجالس العلمية ، والتربوية  بِشَرٍّ مستطير .

وهنا يبدأ تفاعل الإمام الذهبي مع الموقف ،

 فيعلق على الحدث كله ، وعلى المنهج الذي اتبعه ابن شريح

 في معالجة الظاهرة بقوله :

( صدق والله ) . 

وهذا هو الإنصاف التاريخي لمواقف علماء السلف الصالح 

 رضوان الله عليهم أجمعين – ودلالة على أنهم لم يدخروا

 جهدا في بيان وتوضيح الحقائق من ناحية ،

ولم يدخروا أيضا جهدا في تربية تلامذتهم من خلال

 القدوة الحسنة التي تحققوا بها .

ثم ينتقل الإمام الذهبي بعد هذا الإنصاف مباشرة

 إلى عصره الذي يعيش فيه ، وزمنه الذي يظله ،

 فيسجل ما رصده فيه ، من أحوال بعض المجالس الفكرية ،

 والعلمية ، والتيارات الثقافية ، مقارنا بما سبق في عصر

 الإمام الرباني عبد الرحمن بن شريح .

ولأن الظاهرة مأساوية تأخذ منحنى النزول والهبوط ، بالمستوى

 العلمي ، والفكري ، والأخلاقي ، والعقدي ، فهو يختار لذلك 

الأسلوب البلاغي المناسب .

فيطلق عباراته كصرخات مدوية ، تحمل في طياتها

كل غايات الدهش والتعجب ، والحزن ، من حال تردى فيه

 بعض المنتسبين إلى الإسلام .

ويفصل القول في هذا التردي على ثلاث مراحل أساسية .


الأولى : معارضة ما نزل من نصوص القرآن الكريم ،

 والسنة النبوية المطهرة .

فقال : " فَمَا الظَّنُّ إِذَا كَانَتْ مَسَائِلُ الأُصُوْلِ ، وَلوَازِمُ الكَلاَمِ

 فِي مُعَارَضَةِ النَّصِّ؟".

الثانية : التشكيك فيما نزل من الوحي قرآنا وسنة .

وأشار إلى ثلاث طوائف يقوم كثير من أتباعها

 بهذه المهمة على قدم وساق .

وهم :1- المنشغلون بالمنطق ، 2- والمنشغلون بالفلسفة ،

3-  وأتباع الديانات السابقة .

فقال : " فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ مِنْ تَشْكِيكَاتِ المَنطِقِ ، وَقَوَاعِدِ الحِكْمَةِ،

وَدِيْنِ الأَوَائِلِ؟!".

الثالثة :جعل الباطل حقا ، ثم القيام بدعوة الناس إليه ،

والبحث له عن أصول يبنون عليها هذا الباطل

 الذي أظهروه في صورة الحق .

فقال : " فكَيْفَ إِذَا كَانَتْ مِنْ حَقَائقِ الاتِّحَادِيَّةِ ،

 وَزَنْدَقَةِ السَّبْعِيْنِيَّةِ ، وَمَرَقِ البَاطِنِيَّةِ ؟!"

ويلاحظ هنا فطنة عجيبة للحافظ الذهبي- رحمه الله-

 فلم يذكر أصناف من يعارض النص لوضوح أمرهم ،

 وانكشاف أهدافهم ، أمام الخاصة والعامة .

وبالتالي يصب بالغ اهتمامه على من هم أشد خطرا

على عقول العامة من الناس ، وهم الذين لا يظهرون بمظهر

 المعارضين للوحي ، وهم في الحقيقة والواقع

 يعارضونه بخفاء أشد معارضة ، وأخبثها ، عن طريق وضع

 الشبهات في الدين وإثارتها ، وتوليد التشكيكات -في الوحي-

 المبنية على أصول عقلية مختلطة بالأهواء ، معارضة لأصول

 الشريعة ، وحكمتها . 

وهنا يستغيث الإمام الذهبي -رحمه الله – من غربته في طريق

 الدفاع عن الدين والشريعة الربانية ،

 ومن قلة من يسانده ويناصره ضد هؤلاء المشككين ،

 والمعارضين ، ومظهري الباطل في صورة الحق ،

 لعله يجد عبر الأزمان ، المتعاقبة من يجيبه ، ويقف مع قضيته

العادلة في إيجاد بيئة ثقافية وعلمية ، تهتم بمدارسة الحقائق ،

 وتعيش في كنف عبادة الله الخالق .

فهل من مشمر الآن لتلبية النداء ، وإغاثة الإمام الملهوف.

اللهم اجعلنا ممن ينصر الحق دائما. 


أخوكم 

محمد سعد قاسم









الأربعاء، 5 يونيو 2013

مَا سَمِعَ الشَّيْبُ وَالشَّبَابُ بِخُطْبَةٍ أَقْصَرَ وَلَا أَبْلَغَ مِنْهَا


عَنِ عَامِرالشَّعْبِيِّ قَالَ : انْطَلَقَ النَّبِيُّ

 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه

 - وَكَانَ ذَا رَأْيٍ -

إِلَى السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ.

( والمقصود هنا بيعة العقبة الثانية )

فَقَالَ الْعَبَّاسُ : لِيَتَكَلَّمْ مُتَكَلِّمُكُمْ ، وَلَا يُطِيلُ الْخُطْبَةَ ،

 فَإِنَّ عَلَيْكُمْ لِلْمُشْرِكِينَ عَيْنًا ( أي جاسوس ) ، 

وَإِنْ يَعْلَمُوا بِكُمْ يَفْضَحُوكُمْ .

فَقَالَ قَائِلُهُمْ - وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بن زُرَارَة : 

يَا مُحَمَّدُ سَلْ لِرَبِّكَ مَا شِئْتَ ، 

ثُمَّ سَلْ لِنَفْسِكَ وَلِأَصْحَابِكَ مَا شِئْتَ 

، ثُمَّ أَخْبِرْنَا مَا لَنَا مِنَ الثَّوَابِ عَلَى اللهِ وَعَلَيْكُمْ

إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ،

فَقَالَ :

((أَسْأَلُكُمْ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ،

 وَأَسْأَلُكُمْ لِنَفْسِي وَأَصْحَابِي أَنْ تُئْوُونَا وَتَنْصُرُونَا

وَتَمْنَعُونَا مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ))

قَالَ : 

فَمَا لَنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ؟ 

قَالَ : الْجَنَّةُ . 

فَكَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ :

مَا سَمِعَ الشَّيْبُ وَالشَّبَابُ بِخُطْبَةٍ أَقْصَرَ وَلَا أَبْلَغَ مِنْهَا .














ما أجمل المنظر 

في 

رحاب الأزهر 


الاثنين، 27 مايو 2013

14- ميزان المريدين لطريق رب العالمين



 




يقول الله تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ


 مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ

 إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ

( سورة إبراهيم 1). 


إن هذه الآية الأولى من سورة إبراهيم تبين بوضوح

الوظيفة الأهم والمتوارثة عبر الزمن في سلسلة الأنبياء

 من لدن أولهم آدم عليه السلام أبي البشر ،

إلى خليل الرحمن إبرهيم أبى الأنبياء ،

إلى خاتم الأنبياء والمرسلين

 سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.


والوظيفة هي : بيان الطريق للسالكين ، وإخراج الناس

 من الظلمات إلى النور.

لذلك يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

 في كتابه ( ركائز الإيمان بين العقل والقلب):

" إن كل معرفة تلقى بين أيدى الناس

 شعاعا يضىء الطريق، ويكشف الغاية،

 ينبغى أن نحتضنها وننميها،لأنها جزء

من الفطرة التى بعثنا بها، والهداية التى ننشدها للعالمين".


ثم ذكر –رحمه الله - وصية الإمام جعفر الصادق

لأحد المريدين.فقال ما ملخصه:

( ذهب رجل مسن اسمه "عنوان البصري "

وكان شيخا قد جاوز التسعين من عمره ،

إلى جعفر بن محمد الصادق، رضى الله عنهما ،

 فقال: يا أبا عبد الله. أوصنى. 

قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتى

 لمريدى الطريق إلى الله تعالى. 

وأسأله أن يوفقك لاستعمالها. 

ثلاثة منها فى رياضة النفس. 

وثلاثة منها فى الحلم. 

وثلاثة منها فى العلم.

فاحفظها وإياك والتهاون بها. 

قال عنوان: ففرغت قلبى له. 

فقال: أما اللواتى فى الرياضة:

1- فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة والبَلَهْ. 

2- ولا تأكل إلا عند الجوع . 

3- وإذا أكلت فكل حلالا وسم الله .

واذكر حديث رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ.

 بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ

 فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ   وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ   وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». 

راجع : سنن الترمذي/كتاب الزهد /

 بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ الأَكْلِ/4/590/2380

 وقال : «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»

وأما اللواتى فى الحلم:

1- فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا،

فقل له: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. 

2- ومن شتمك فقل له: لئن كنت صادقا فيما تقول:

 فأسأل الله تعالى أن يغفر لى. 

ولئن كنت كاذبا فيما تقول،

 فأسأل الله أن يغفر لك. 

3- ومن توعدك بالخنا (الفُحْشُ في القول)

 فعده بالنصيحة والدعاء. 

وأما اللواتى فى العلم: 

1- فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة.

2- وإياك أن تعمل برأيك شيئا ،

وخذ بالاحتياط فى جميع ما تجد إليه سبيلا. 

3- واهرب من الفتيا هروبك من الأسد ،

ولا تجعل رقبتك للناس جسرا).

ثم عقب شيخ شيوخنا الغزالي رحمه الله بقوله: 

"هذه وصية جيدة
 رأيت إثباتها لما فيها من خير وإخلاص،

ولأنها نموذج حسن من الآداب التقليدية الشائعة

 فى تراثنا الدينى القديم".

قلت :لا بد من التوقف عند :

1- شيخ بلغ الرابعة والتسعين

 يجتهد في طلب العلم من شاب في سن أحفاده ، فأقول: 

قل للشباب اكتفى زورا وبهتانا 

أعطاكم البصري للتحصيل برهانا

حين انقلبتم بذل الدون منزلة 

وصيرتك المعالي يا عنوان عنوانا

2- الرؤية الواضحة عند الإمام جعفر الصادق

لمقتضى التربية الشاملة من خلال المحاور الثلاث

التي ذكرها في الوصية فهو يرى -رحمه الله-

أن المريد لطريق الله لا بد وأن يحافظ على

 صحة واستقامة قوى ثلاث عنده :

الأولى : صحة بدنه وجسده ، وذلك بانضباط

 المطعم والمشرب على وفق الهدي النبوي الشريف.

الثانية : صحة عقله ، وذلك بالحلم ،

وكمال المروءة ،والصبر على الأذى من أخيه.

قال تعالى: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ

عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)

 سورة الفرقان (63) .

الثالثة : صحة نفسه ، وذلك بانضباط العلوم

 والمعارف عنده من خلال التأدب بالأدب الراقي

في تحصيلها من أهلها ، وكذلك في نشرها وتعليمها.

3- محاولة بعض الجاهلين ، والحاقدين

 تشويه تراثنا الديني القديم ، أو على الأقل

إقصائه عن ميادين الدراسة والتعليم ،

واستبداله بالقيم الغربية المادية الحديثة.

فأقول لهؤلاء :إيتوني بكلام لأعظم فلاسفتكم في مجال

أصول صحة البدن ، أو صحة العقل ، أو صحة النفس ،

 يتساوى – أو يقترب- من عظمة وسمو كلام

 الإمام جعفر الصادق –رحمه الله تعالى .

أخوكم

د/ محمد سعد قاسم





adel_saad85@yahoo.com

الأربعاء، 15 مايو 2013

ميزان ذى القرنين



13- ميزان  ذى القرنين






قال الله عز وجل : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ



قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " (83)


إلى قوله تعالى " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي


جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " (98) سورة الكهف.


والقصة تتمحور حول ثلاث حالات واضحة تعامل معها ذو القرنين


باعتبار أن الله عز وجل مكن له فى الأرض ،


وآتاه من كل شيء سببا.


ولكل حالة معطياتها الكثيرة.


غير أنى سأكتفى فقط بالإشارة إلى بعض المعطيات


السياسية والاقتصادية .


الحالة الأولى: ( الجانب السياسي ، والقانوني ).


بلوغه مغرب الشمس ، وملاقاته لقوم يحتاجون إلى نظام وقانون .


وتأسيس النظام ، مع وضع القانون العادل من أهم الأسس ،


لنهضة الدول ، ورقي المجتمعات.


وغياب هذا الأمر يجلب الفوضى العارمة ، حيث السيادة لقانون الغاب ،


الذي مضمونه الواضح هو :


( السيادة لحق القوة ، وليس لقوة الحق ).


والظاهر من خلال حال هؤلاء القوم ، أنهم كانوا


 في أشد حالات الاحتياج إلى قانون:


1- ينظم حياتهم .


2- وسلطان ينفذ القانون .


فوضع لهم ذو القرنين - وبوضوح تام - منهج الثواب والعقاب


على حسب صفة العمل الذى يقومون به.


1- أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)


2- وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88).



الحالة الثانية : ( الجانب العقدي ).


بلوغه مطلع الشمس وملاقاته لقوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا .


والظاهر من حالهم أنهم تعلقوا بذي القرنين تعلقا شديدا


فظنوا أنه باستطاعته أن يجعل لهم من دون الشمس سترا.


لذلك وردت الأفعال جميعها - في هذه الحالة - مضافة إلى الله عز وجل ،


ولم يذكر في السياق القرآني- في هذه الحالة – أي قول أو فعل منسوبا لذي القرنين .


وكأن جميع قدراته ، والأسباب التي معه قد تعطلت.


تأمل الفعل المنفي ، " لم نجعل لهم من دونها سترا ".


وتأمل الفعل المثبت ، " وقد أحطنا بما لديه خبرا ".


فالرسالة واضحة في أن الجانب الذي يحتاجه هؤلاء القوم ، هو الجانب العقدي.


ومضمون الرسالة: ألا يتعلق الناس بحاكم أو أمير أو قائد


أو حتى نبي مهما بلغ شأنه وقدره وإمكانياته


إلى الدرجة التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى .


فذو القرنين قد استمد قدراته من عطاء الله ، وإذا شاء الله سلبها.


وقد تفرد الله عز وجل بطلاقة القدرة على كل شيء ،


وطلاقة العلم والإحاطة بكل شيء.


وبالتالي لم يستطع ذو القرنين أن يستر الشمس عنهم.


وتأمل أخي القارئ أول جملة نطق بها ذو القرنين


بعد هذا الدرس العقدي العظيم : ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...)


الحالة الثالثة: ( الجانب العلمي ، والاقتصادي ، والأمني ).


بلوغه بين السدين وملاقاته لقوم اجتمعت فيهم صفات:


1- التخلف العلمي ، والاقتصادي ، من الداخل. ( ...لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) (93)


2- والعدوان عليهم من الخارج .(.... إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ...) (94)


فقام بمعالجة هذا الأمر على محورين:


1- الاستفادة بكل الطاقات ، والموارد المادية ،


والجسدية عندهم لللقيام بعمل يعود بالنفع عليهم.


( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) (95)


2- تعليمهم كيفية الاستفادة من الطاقات ، والموارد ،


عن طريق العلم ، والأسباب التى مكنه الله فيها.


( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ


قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (96)


وفي الختام أقول :


إذا تمسكت أمة من الأممٍ بعقيدة صحيحة في الله -عز وجل – .


وإذا التزمت بنظام سياسي ، وقانوني ، واجتماعي


يحقق العدل الذي يرضى عنه الله تبارك وتعالى.


وإذا تملكت العلوم ، والمعارف ، وسيطرت على


إدارة مواردها ، واقتصادها ، بحكمة ، وأمانة .


فإن النتيجة : تحقق الأمن لها ، وتحقق الخذلان لأعدائها.


وتأمل قوله –سبحانه- في نهاية قصة ذي القرنين :


( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (97)



أخوكم

د/ محمد سعد قاسم


إيميل : adel_saad85@yahoo.com

.