13- ميزان ذى القرنين
قال الله عز وجل : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " (83)
إلى قوله تعالى " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي
جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " (98) سورة الكهف.
والقصة تتمحور حول ثلاث حالات واضحة تعامل معها ذو القرنين
باعتبار أن الله عز وجل مكن له فى الأرض ،
وآتاه من كل شيء سببا.
ولكل حالة معطياتها الكثيرة.
غير أنى سأكتفى فقط بالإشارة إلى بعض المعطيات
السياسية والاقتصادية .
الحالة الأولى: ( الجانب السياسي ، والقانوني ).
بلوغه مغرب الشمس ، وملاقاته لقوم يحتاجون إلى نظام وقانون .
وتأسيس النظام ، مع وضع القانون العادل من أهم الأسس ،
لنهضة الدول ، ورقي المجتمعات.
وغياب هذا الأمر يجلب الفوضى العارمة ، حيث السيادة لقانون الغاب ،
الذي مضمونه الواضح هو :
( السيادة لحق القوة ، وليس لقوة الحق ).
والظاهر من خلال حال هؤلاء القوم ، أنهم كانوا
في أشد حالات الاحتياج إلى قانون:
1- ينظم حياتهم .
2- وسلطان ينفذ القانون .
فوضع لهم ذو القرنين - وبوضوح تام - منهج الثواب والعقاب
على حسب صفة العمل الذى يقومون به.
1- أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)
2- وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88).
الحالة الثانية : ( الجانب العقدي ).
بلوغه مطلع الشمس وملاقاته لقوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا .
والظاهر من حالهم أنهم تعلقوا بذي القرنين تعلقا شديدا
فظنوا أنه باستطاعته أن يجعل لهم من دون الشمس سترا.
لذلك وردت الأفعال جميعها - في هذه الحالة - مضافة إلى الله عز وجل ،
ولم يذكر في السياق القرآني- في هذه الحالة – أي قول أو فعل منسوبا لذي القرنين .
وكأن جميع قدراته ، والأسباب التي معه قد تعطلت.
تأمل الفعل المنفي ، " لم نجعل لهم من دونها سترا ".
وتأمل الفعل المثبت ، " وقد أحطنا بما لديه خبرا ".
فالرسالة واضحة في أن الجانب الذي يحتاجه هؤلاء القوم ، هو الجانب العقدي.
ومضمون الرسالة: ألا يتعلق الناس بحاكم أو أمير أو قائد
أو حتى نبي مهما بلغ شأنه وقدره وإمكانياته
إلى الدرجة التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى .
فذو القرنين قد استمد قدراته من عطاء الله ، وإذا شاء الله سلبها.
وقد تفرد الله عز وجل بطلاقة القدرة على كل شيء ،
وطلاقة العلم والإحاطة بكل شيء.
وبالتالي لم يستطع ذو القرنين أن يستر الشمس عنهم.
وتأمل أخي القارئ أول جملة نطق بها ذو القرنين
بعد هذا الدرس العقدي العظيم : ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...)
الحالة الثالثة: ( الجانب العلمي ، والاقتصادي ، والأمني ).
بلوغه بين السدين وملاقاته لقوم اجتمعت فيهم صفات:
1- التخلف العلمي ، والاقتصادي ، من الداخل. ( ...لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) (93)
2- والعدوان عليهم من الخارج .(.... إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ...) (94)
فقام بمعالجة هذا الأمر على محورين:
1- الاستفادة بكل الطاقات ، والموارد المادية ،
والجسدية عندهم لللقيام بعمل يعود بالنفع عليهم.
( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) (95)
2- تعليمهم كيفية الاستفادة من الطاقات ، والموارد ،
عن طريق العلم ، والأسباب التى مكنه الله فيها.
( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (96)
وفي الختام أقول :
إذا تمسكت أمة من الأممٍ بعقيدة صحيحة في الله -عز وجل – .
وإذا التزمت بنظام سياسي ، وقانوني ، واجتماعي
يحقق العدل الذي يرضى عنه الله تبارك وتعالى.
وإذا تملكت العلوم ، والمعارف ، وسيطرت على
إدارة مواردها ، واقتصادها ، بحكمة ، وأمانة .
فإن النتيجة : تحقق الأمن لها ، وتحقق الخذلان لأعدائها.
وتأمل قوله –سبحانه- في نهاية قصة ذي القرنين :
( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (97)
أخوكم
د/ محمد سعد قاسم
إيميل : adel_saad85@yahoo.com
.

0 التعليقات:
إرسال تعليق