الأربعاء، 15 مايو 2013

ميزان ذى القرنين



13- ميزان  ذى القرنين






قال الله عز وجل : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ



قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " (83)


إلى قوله تعالى " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي


جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " (98) سورة الكهف.


والقصة تتمحور حول ثلاث حالات واضحة تعامل معها ذو القرنين


باعتبار أن الله عز وجل مكن له فى الأرض ،


وآتاه من كل شيء سببا.


ولكل حالة معطياتها الكثيرة.


غير أنى سأكتفى فقط بالإشارة إلى بعض المعطيات


السياسية والاقتصادية .


الحالة الأولى: ( الجانب السياسي ، والقانوني ).


بلوغه مغرب الشمس ، وملاقاته لقوم يحتاجون إلى نظام وقانون .


وتأسيس النظام ، مع وضع القانون العادل من أهم الأسس ،


لنهضة الدول ، ورقي المجتمعات.


وغياب هذا الأمر يجلب الفوضى العارمة ، حيث السيادة لقانون الغاب ،


الذي مضمونه الواضح هو :


( السيادة لحق القوة ، وليس لقوة الحق ).


والظاهر من خلال حال هؤلاء القوم ، أنهم كانوا


 في أشد حالات الاحتياج إلى قانون:


1- ينظم حياتهم .


2- وسلطان ينفذ القانون .


فوضع لهم ذو القرنين - وبوضوح تام - منهج الثواب والعقاب


على حسب صفة العمل الذى يقومون به.


1- أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)


2- وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88).



الحالة الثانية : ( الجانب العقدي ).


بلوغه مطلع الشمس وملاقاته لقوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا .


والظاهر من حالهم أنهم تعلقوا بذي القرنين تعلقا شديدا


فظنوا أنه باستطاعته أن يجعل لهم من دون الشمس سترا.


لذلك وردت الأفعال جميعها - في هذه الحالة - مضافة إلى الله عز وجل ،


ولم يذكر في السياق القرآني- في هذه الحالة – أي قول أو فعل منسوبا لذي القرنين .


وكأن جميع قدراته ، والأسباب التي معه قد تعطلت.


تأمل الفعل المنفي ، " لم نجعل لهم من دونها سترا ".


وتأمل الفعل المثبت ، " وقد أحطنا بما لديه خبرا ".


فالرسالة واضحة في أن الجانب الذي يحتاجه هؤلاء القوم ، هو الجانب العقدي.


ومضمون الرسالة: ألا يتعلق الناس بحاكم أو أمير أو قائد


أو حتى نبي مهما بلغ شأنه وقدره وإمكانياته


إلى الدرجة التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى .


فذو القرنين قد استمد قدراته من عطاء الله ، وإذا شاء الله سلبها.


وقد تفرد الله عز وجل بطلاقة القدرة على كل شيء ،


وطلاقة العلم والإحاطة بكل شيء.


وبالتالي لم يستطع ذو القرنين أن يستر الشمس عنهم.


وتأمل أخي القارئ أول جملة نطق بها ذو القرنين


بعد هذا الدرس العقدي العظيم : ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...)


الحالة الثالثة: ( الجانب العلمي ، والاقتصادي ، والأمني ).


بلوغه بين السدين وملاقاته لقوم اجتمعت فيهم صفات:


1- التخلف العلمي ، والاقتصادي ، من الداخل. ( ...لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) (93)


2- والعدوان عليهم من الخارج .(.... إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ...) (94)


فقام بمعالجة هذا الأمر على محورين:


1- الاستفادة بكل الطاقات ، والموارد المادية ،


والجسدية عندهم لللقيام بعمل يعود بالنفع عليهم.


( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) (95)


2- تعليمهم كيفية الاستفادة من الطاقات ، والموارد ،


عن طريق العلم ، والأسباب التى مكنه الله فيها.


( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ


قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (96)


وفي الختام أقول :


إذا تمسكت أمة من الأممٍ بعقيدة صحيحة في الله -عز وجل – .


وإذا التزمت بنظام سياسي ، وقانوني ، واجتماعي


يحقق العدل الذي يرضى عنه الله تبارك وتعالى.


وإذا تملكت العلوم ، والمعارف ، وسيطرت على


إدارة مواردها ، واقتصادها ، بحكمة ، وأمانة .


فإن النتيجة : تحقق الأمن لها ، وتحقق الخذلان لأعدائها.


وتأمل قوله –سبحانه- في نهاية قصة ذي القرنين :


( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (97)



أخوكم

د/ محمد سعد قاسم


إيميل : adel_saad85@yahoo.com

.

0 التعليقات:

إرسال تعليق