الأربعاء، 1 مايو 2013

موازين القيم 8- ميزان ( السياحة )



8- ميزان ( السياحة )

السياحة المقصودة هي التي :
- تؤكد علي معني التعرف علي قدرة الله عز وجل في خلقه وكونه .
- وهي التي تؤكد مقدرة الإنسان -بعد النظر والاعتبار- على اختيار الطريق الذي يسعده ، أو الطريق الذي يشقيه.
- وهي التي تؤكد وتبرز أن الحق تبارك وتعالي خلق الكون الفسيح هذا ، من أجل أن يتعرف الإنسان علي مظاهر عظمته ، وقدرته ، وصفات جلاله وكماله وجماله.
فالسياحة في الأرض تعني كل هذه المعاني .
 وفي نفس الوقت هي:
- فريضة ربانية حيث أتى أمر الله تبارك وتعالى بالسير في الأرض والنظر فيها، قال سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) سورة النمل (69)
وقال عز وجل: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة العنكبوت (20)
- وهي التى تعني كذلك استخدام كل الجوارح من سمع وبصر وحواس في الوصول إلي حقائق الكون وسنن الله المبثوثة في خلقه.
- وتعني كذلك تواصلا بين الناس من مختلف الأجناس والأعراق مع اختلاف ثقافاتهم وبيئتهم.
 والتواصل بين الناس في حد ذاته أمر محمود حيث جعله الحق تبارك وتعالى وسيلة لغاية يجب أن يسعى إليها ، وطريقا لهدف يجب أن يتحقق وهو التعارف بين الناس .
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " الحجرات(13).
ومن ثم تكمن أهمية السعى في الأرض ، والتأمل فى قوانين الله ، وسننه فى كونه ، والتواصل مع الناس ، ومعرفة أخلاقهم ، وثقافاتهم ، لا من أجل الهيمنة عليهم ، والسطو على مقدراتهم ، والتناكر والتناحر والإقتتال الدامى الذى نراه اليوم فى العالم ، بل من أجل أمر أسمى ، وأرقى ، وهو التعارف والتآلف وتقديم الخير والمساعدة.
ولذلك حذر الحق تبارك وتعالى من الفرقة والاختلاف لأنه يؤدى إلى إبراز مظاهر العداوة والشقاق .
وهذا الجو ليس مناسبا أبدا لتقديم العون ، أو المساعدة على الخير ، فضلا عن أن يكون بيئة صالحة للتواصل.
 قال تعالى مذكرا بنعمه على عباده الذى استجابوا لأمره " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)" سورة آل عمران.
فمن الرسائل المهمة لتحقيق معنى الأخوة ، أو على الأقل التمهيد لها السياحة فى الأرض بالمعانى التى أشرنا إليها سابقا .

ومن زاوية أخرى :
لا يخفى على أي ناظر فى السنة النبوية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سياحة أمته الجهاد في سبيل الله .
عن أَبي أُمَامَة - رضي الله عنه - : أنَّ رجلاً ، قَالَ : يَا رسولَ اللهِ ، ائْذَنْ لي في السِّيَاحَةِ فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ - عز وجل - )) رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ .  
  ٍوهنا تبرز بعض المعانى الأخري للسياحة فى الأرض ، منها:
- عدم الركون إلى الراحة ، والدعة ، بل مواصلة الحركة ، والسعي ، والضرب فى الأرض ، وفى ذلك منافع حسية ، ومادية عظيمة .
-  فتح الطرق أمام دعوة الله ، ومنهجه ، ليلامس قلوب المعرضين عنه فيجذبهمٍ ، وعقول الصادين عنه فيقنعهم ، ونفوس المهاجمين له ولأتباعه فيردعهم .
وهؤلاء جميعا يجب مرافقتهم من مدخل قوله تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) سورة النحل.

ومن زاوية ثالثة :
هناك علاقة وثيقة بين السياحة فى الأرض ، وبين سنن الانتقاء ، والاصطفاء.
 فكما أن السياحة فى الأرض تعنى النظر والاعتبار ، فإن حقيقة هذا النظر ، ومآله  ، تعود إلى انتقاء ، واصطفاء ما هو نافع ، وتحصيل الأفضل ، والأصلح ، وكل ما فيه ارتقاء بالفرد ، والمجتمع ، والعالم بأسره .
ويدل على ذلك ما أ خرجه الترمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، فَإِذَا، وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ، فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللهُ: أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ . فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي ؟ فَيَقُولُونَ: لَا . فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟  فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا لَكَ أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وَذِكْرًا . فَيَقُولُ: فَأَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ . فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا . فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا . قَالَ: فَيَقُولُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ . فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَا . قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا، وأشد منها خوفًا . قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم . قال: فيقولون: فَإِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ، لَمْ يُرِدْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ . فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ".حديث حسن صحيح.
فهذا يعطينا أبعادا أخرى ، وآفاقا أرحب لبرامج سياحية مستلهمة من بعض وظائف الملائكة ، وأعمالهم ، حتى تكون
 سياحة بنى آدم فى الأرض، إقتداء بسياحة الملائكة عليهم السلام .

وختاما أقول:
إن السياحة فى الأرض من أهم روافد تغذية العقل والروح وتنمية الخشية من الله عز وجل والسمو بمشاعر الحب لله تبارك وتعالى.
قال الله عز وجل (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)) سورة الغاشية.

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

0 التعليقات:

إرسال تعليق