يقول الله تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
( سورة إبراهيم 1).
إن هذه الآية الأولى من سورة إبراهيم تبين بوضوح
الوظيفة الأهم والمتوارثة عبر الزمن في سلسلة الأنبياء
من لدن أولهم آدم عليه السلام أبي البشر ،
إلى خليل الرحمن إبرهيم أبى الأنبياء ،
إلى خاتم الأنبياء والمرسلين
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
والوظيفة هي : بيان الطريق للسالكين ، وإخراج الناس
من الظلمات إلى النور.
لذلك يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله
في كتابه ( ركائز الإيمان بين العقل والقلب):
" إن كل معرفة تلقى بين أيدى الناس
شعاعا يضىء الطريق، ويكشف الغاية،
ينبغى أن نحتضنها وننميها،لأنها جزء
من الفطرة التى بعثنا بها، والهداية التى ننشدها للعالمين".
ثم ذكر –رحمه الله - وصية الإمام جعفر الصادق
لأحد المريدين.فقال ما ملخصه:
( ذهب رجل مسن اسمه "عنوان البصري "
وكان شيخا قد جاوز التسعين من عمره ،
إلى جعفر بن محمد الصادق، رضى الله عنهما ،
فقال: يا أبا عبد الله. أوصنى.
قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتى
لمريدى الطريق إلى الله تعالى.
وأسأله أن يوفقك لاستعمالها.
ثلاثة منها فى رياضة النفس.
وثلاثة منها فى الحلم.
وثلاثة منها فى العلم.
فاحفظها وإياك والتهاون بها.
قال عنوان: ففرغت قلبى له.
فقال: أما اللواتى فى الرياضة:
1- فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة والبَلَهْ.
2- ولا تأكل إلا عند الجوع .
3- وإذا أكلت فكل حلالا وسم الله .
واذكر حديث رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ.
بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ
فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».
راجع : سنن الترمذي/كتاب الزهد /
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ الأَكْلِ/4/590/2380
وقال : «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
وأما اللواتى فى الحلم:
1- فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا،
فقل له: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة.
2- ومن شتمك فقل له: لئن كنت صادقا فيما تقول:
فأسأل الله تعالى أن يغفر لى.
ولئن كنت كاذبا فيما تقول،
فأسأل الله أن يغفر لك.
3- ومن توعدك بالخنا (الفُحْشُ في القول)
فعده بالنصيحة والدعاء.
وأما اللواتى فى العلم:
1- فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة.
2- وإياك أن تعمل برأيك شيئا ،
وخذ بالاحتياط فى جميع ما تجد إليه سبيلا.
3- واهرب من الفتيا هروبك من الأسد ،
ولا تجعل رقبتك للناس جسرا).
ثم عقب شيخ شيوخنا الغزالي رحمه الله بقوله:
"هذه وصية جيدة
رأيت إثباتها لما فيها من خير وإخلاص،
ولأنها نموذج حسن من الآداب التقليدية الشائعة
فى تراثنا الدينى القديم".
قلت :لا بد من التوقف عند :
1- شيخ بلغ الرابعة والتسعين
يجتهد في طلب العلم من شاب في سن أحفاده ، فأقول:
قل للشباب اكتفى زورا وبهتانا
أعطاكم البصري للتحصيل برهانا
حين انقلبتم بذل الدون منزلة
وصيرتك المعالي يا عنوان عنوانا
2- الرؤية الواضحة عند الإمام جعفر الصادق
لمقتضى التربية الشاملة من خلال المحاور الثلاث
التي ذكرها في الوصية فهو يرى -رحمه الله-
أن المريد لطريق الله لا بد وأن يحافظ على
صحة واستقامة قوى ثلاث عنده :
الأولى : صحة بدنه وجسده ، وذلك بانضباط
المطعم والمشرب على وفق الهدي النبوي الشريف.
الثانية : صحة عقله ، وذلك بالحلم ،
وكمال المروءة ،والصبر على الأذى من أخيه.
قال تعالى: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ
عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)
سورة الفرقان (63) .
الثالثة : صحة نفسه ، وذلك بانضباط العلوم
والمعارف عنده من خلال التأدب بالأدب الراقي
في تحصيلها من أهلها ، وكذلك في نشرها وتعليمها.
3- محاولة بعض الجاهلين ، والحاقدين
تشويه تراثنا الديني القديم ، أو على الأقل
إقصائه عن ميادين الدراسة والتعليم ،
واستبداله بالقيم الغربية المادية الحديثة.
فأقول لهؤلاء :إيتوني بكلام لأعظم فلاسفتكم في مجال
أصول صحة البدن ، أو صحة العقل ، أو صحة النفس ،
يتساوى – أو يقترب- من عظمة وسمو كلام
الإمام جعفر الصادق –رحمه الله تعالى .
أخوكم
د/ محمد سعد قاسم
adel_saad85@yahoo.com


