الاثنين، 27 مايو 2013

14- ميزان المريدين لطريق رب العالمين



 




يقول الله تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ


 مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ

 إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ

( سورة إبراهيم 1). 


إن هذه الآية الأولى من سورة إبراهيم تبين بوضوح

الوظيفة الأهم والمتوارثة عبر الزمن في سلسلة الأنبياء

 من لدن أولهم آدم عليه السلام أبي البشر ،

إلى خليل الرحمن إبرهيم أبى الأنبياء ،

إلى خاتم الأنبياء والمرسلين

 سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.


والوظيفة هي : بيان الطريق للسالكين ، وإخراج الناس

 من الظلمات إلى النور.

لذلك يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

 في كتابه ( ركائز الإيمان بين العقل والقلب):

" إن كل معرفة تلقى بين أيدى الناس

 شعاعا يضىء الطريق، ويكشف الغاية،

 ينبغى أن نحتضنها وننميها،لأنها جزء

من الفطرة التى بعثنا بها، والهداية التى ننشدها للعالمين".


ثم ذكر –رحمه الله - وصية الإمام جعفر الصادق

لأحد المريدين.فقال ما ملخصه:

( ذهب رجل مسن اسمه "عنوان البصري "

وكان شيخا قد جاوز التسعين من عمره ،

إلى جعفر بن محمد الصادق، رضى الله عنهما ،

 فقال: يا أبا عبد الله. أوصنى. 

قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتى

 لمريدى الطريق إلى الله تعالى. 

وأسأله أن يوفقك لاستعمالها. 

ثلاثة منها فى رياضة النفس. 

وثلاثة منها فى الحلم. 

وثلاثة منها فى العلم.

فاحفظها وإياك والتهاون بها. 

قال عنوان: ففرغت قلبى له. 

فقال: أما اللواتى فى الرياضة:

1- فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة والبَلَهْ. 

2- ولا تأكل إلا عند الجوع . 

3- وإذا أكلت فكل حلالا وسم الله .

واذكر حديث رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ.

 بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ

 فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ   وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ   وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». 

راجع : سنن الترمذي/كتاب الزهد /

 بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ كَثْرَةِ الأَكْلِ/4/590/2380

 وقال : «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»

وأما اللواتى فى الحلم:

1- فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا،

فقل له: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. 

2- ومن شتمك فقل له: لئن كنت صادقا فيما تقول:

 فأسأل الله تعالى أن يغفر لى. 

ولئن كنت كاذبا فيما تقول،

 فأسأل الله أن يغفر لك. 

3- ومن توعدك بالخنا (الفُحْشُ في القول)

 فعده بالنصيحة والدعاء. 

وأما اللواتى فى العلم: 

1- فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة.

2- وإياك أن تعمل برأيك شيئا ،

وخذ بالاحتياط فى جميع ما تجد إليه سبيلا. 

3- واهرب من الفتيا هروبك من الأسد ،

ولا تجعل رقبتك للناس جسرا).

ثم عقب شيخ شيوخنا الغزالي رحمه الله بقوله: 

"هذه وصية جيدة
 رأيت إثباتها لما فيها من خير وإخلاص،

ولأنها نموذج حسن من الآداب التقليدية الشائعة

 فى تراثنا الدينى القديم".

قلت :لا بد من التوقف عند :

1- شيخ بلغ الرابعة والتسعين

 يجتهد في طلب العلم من شاب في سن أحفاده ، فأقول: 

قل للشباب اكتفى زورا وبهتانا 

أعطاكم البصري للتحصيل برهانا

حين انقلبتم بذل الدون منزلة 

وصيرتك المعالي يا عنوان عنوانا

2- الرؤية الواضحة عند الإمام جعفر الصادق

لمقتضى التربية الشاملة من خلال المحاور الثلاث

التي ذكرها في الوصية فهو يرى -رحمه الله-

أن المريد لطريق الله لا بد وأن يحافظ على

 صحة واستقامة قوى ثلاث عنده :

الأولى : صحة بدنه وجسده ، وذلك بانضباط

 المطعم والمشرب على وفق الهدي النبوي الشريف.

الثانية : صحة عقله ، وذلك بالحلم ،

وكمال المروءة ،والصبر على الأذى من أخيه.

قال تعالى: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ

عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)

 سورة الفرقان (63) .

الثالثة : صحة نفسه ، وذلك بانضباط العلوم

 والمعارف عنده من خلال التأدب بالأدب الراقي

في تحصيلها من أهلها ، وكذلك في نشرها وتعليمها.

3- محاولة بعض الجاهلين ، والحاقدين

 تشويه تراثنا الديني القديم ، أو على الأقل

إقصائه عن ميادين الدراسة والتعليم ،

واستبداله بالقيم الغربية المادية الحديثة.

فأقول لهؤلاء :إيتوني بكلام لأعظم فلاسفتكم في مجال

أصول صحة البدن ، أو صحة العقل ، أو صحة النفس ،

 يتساوى – أو يقترب- من عظمة وسمو كلام

 الإمام جعفر الصادق –رحمه الله تعالى .

أخوكم

د/ محمد سعد قاسم





adel_saad85@yahoo.com

الأربعاء، 15 مايو 2013

ميزان ذى القرنين



13- ميزان  ذى القرنين






قال الله عز وجل : " وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ



قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " (83)


إلى قوله تعالى " قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي


جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " (98) سورة الكهف.


والقصة تتمحور حول ثلاث حالات واضحة تعامل معها ذو القرنين


باعتبار أن الله عز وجل مكن له فى الأرض ،


وآتاه من كل شيء سببا.


ولكل حالة معطياتها الكثيرة.


غير أنى سأكتفى فقط بالإشارة إلى بعض المعطيات


السياسية والاقتصادية .


الحالة الأولى: ( الجانب السياسي ، والقانوني ).


بلوغه مغرب الشمس ، وملاقاته لقوم يحتاجون إلى نظام وقانون .


وتأسيس النظام ، مع وضع القانون العادل من أهم الأسس ،


لنهضة الدول ، ورقي المجتمعات.


وغياب هذا الأمر يجلب الفوضى العارمة ، حيث السيادة لقانون الغاب ،


الذي مضمونه الواضح هو :


( السيادة لحق القوة ، وليس لقوة الحق ).


والظاهر من خلال حال هؤلاء القوم ، أنهم كانوا


 في أشد حالات الاحتياج إلى قانون:


1- ينظم حياتهم .


2- وسلطان ينفذ القانون .


فوضع لهم ذو القرنين - وبوضوح تام - منهج الثواب والعقاب


على حسب صفة العمل الذى يقومون به.


1- أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87)


2- وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88).



الحالة الثانية : ( الجانب العقدي ).


بلوغه مطلع الشمس وملاقاته لقوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا .


والظاهر من حالهم أنهم تعلقوا بذي القرنين تعلقا شديدا


فظنوا أنه باستطاعته أن يجعل لهم من دون الشمس سترا.


لذلك وردت الأفعال جميعها - في هذه الحالة - مضافة إلى الله عز وجل ،


ولم يذكر في السياق القرآني- في هذه الحالة – أي قول أو فعل منسوبا لذي القرنين .


وكأن جميع قدراته ، والأسباب التي معه قد تعطلت.


تأمل الفعل المنفي ، " لم نجعل لهم من دونها سترا ".


وتأمل الفعل المثبت ، " وقد أحطنا بما لديه خبرا ".


فالرسالة واضحة في أن الجانب الذي يحتاجه هؤلاء القوم ، هو الجانب العقدي.


ومضمون الرسالة: ألا يتعلق الناس بحاكم أو أمير أو قائد


أو حتى نبي مهما بلغ شأنه وقدره وإمكانياته


إلى الدرجة التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى .


فذو القرنين قد استمد قدراته من عطاء الله ، وإذا شاء الله سلبها.


وقد تفرد الله عز وجل بطلاقة القدرة على كل شيء ،


وطلاقة العلم والإحاطة بكل شيء.


وبالتالي لم يستطع ذو القرنين أن يستر الشمس عنهم.


وتأمل أخي القارئ أول جملة نطق بها ذو القرنين


بعد هذا الدرس العقدي العظيم : ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...)


الحالة الثالثة: ( الجانب العلمي ، والاقتصادي ، والأمني ).


بلوغه بين السدين وملاقاته لقوم اجتمعت فيهم صفات:


1- التخلف العلمي ، والاقتصادي ، من الداخل. ( ...لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) (93)


2- والعدوان عليهم من الخارج .(.... إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ...) (94)


فقام بمعالجة هذا الأمر على محورين:


1- الاستفادة بكل الطاقات ، والموارد المادية ،


والجسدية عندهم لللقيام بعمل يعود بالنفع عليهم.


( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) (95)


2- تعليمهم كيفية الاستفادة من الطاقات ، والموارد ،


عن طريق العلم ، والأسباب التى مكنه الله فيها.


( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ


قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) (96)


وفي الختام أقول :


إذا تمسكت أمة من الأممٍ بعقيدة صحيحة في الله -عز وجل – .


وإذا التزمت بنظام سياسي ، وقانوني ، واجتماعي


يحقق العدل الذي يرضى عنه الله تبارك وتعالى.


وإذا تملكت العلوم ، والمعارف ، وسيطرت على


إدارة مواردها ، واقتصادها ، بحكمة ، وأمانة .


فإن النتيجة : تحقق الأمن لها ، وتحقق الخذلان لأعدائها.


وتأمل قوله –سبحانه- في نهاية قصة ذي القرنين :


( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) (97)



أخوكم

د/ محمد سعد قاسم


إيميل : adel_saad85@yahoo.com

.

الاثنين، 13 مايو 2013

12- ميزان ( المرأة ) بين عدل الإسلام وجور الأديان


حين يستمد الإنسان قيمه التي يتعامل بها من السماء لا من الأرض ، عندئذ تتحقق له الكرامة ، وهكذا تحققت للمرأة الكرامة ،في ظل الإسلام وأصبح لها وزن حقيقي وقيمة حقيقية  فلم يعد لضعفها وتكاليف حياتها المادية على أهلها وزن في تقويمها وتقديرها . لأن هذه ليست من قيم السماء ولا وزن لها في ميزانها . لأن الوزن والقيمة  للروح الإنساني الكريم المتصل بالله . وفي هذا يتساوى الذكر والأنثى .
والمتبادر إلى الذهن من عنوان المقالة: أن المرأة تتنازعها قيم عدل ، وقيم جور ، وفي نفس الوقت تثبت أن قيم العدل كلها - وخاصة فيما يتعلق بالمرأة - تتمثل في الإسلام كدين وشريعة إلهية خاتمة ، وليس في غيره من الأديان والشرائع الوضعية أو حتى الإلهية المحرفة
ولكي تكون الدعوى مقترنة بدليلها ، والحكم مقترن بحيثياته وتعليلاته لا بد من ذكر قيم وأسس العدل في الإسلام ، وقيم وأسس الجور في غيره من الأديان ، ثم أذكر بعض مظاهر العدل - في الشريعة الإسلامية - الخاصة بالمرأة ، وبعض مظاهر الجور في غيرها ، بصورة مجملة ومختصرة لأن المقام هنا لا يحتمل التفصيل.
أولا: قيم وأسس العدل في الإسلام.
1-                        أنه دين من عند الله أنزله بواسطة الروح الأمين على رسوله محمدe   ليبلغه إلى عباده. {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ} {الشعراء- 194:193}
2-                        الدعوة إلى إفراد الله سبحانه بالعبادة ، وتحريم الشرك ، ووسائله.
3-                        إعطاء كل ذي حق

الاثنين، 6 مايو 2013

أصناف الناس في القرآن والسنة

السبت، 4 مايو 2013

خطبة عيد الفطر 1433هـ بمركز شباب شنوفه

الخميس، 2 مايو 2013

موازين القيم 11- ميزان ( الفزع )


11- ميزان ( الفزع )
معطيات – واقع - حلول


عن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال : " فزع الناس بالمدينة مع النبى صلى الله عليه وسلم فتفرقوا وجعل الناس يذهبون هكذا  وهكذا  فرأيت سالما مولى أبى حذيفة احتبى بحمائل سيفه وجلس في المسجد عند المنبر منبر النبي صلى الله عليه وسلم، فما رأيت ذلك فعلت مثل الذى فعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآنى وسالما،  وأتى الناس فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : " ياأيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله ؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان ؟ " .

والاحتباء هو أن يضم الانسان رجليه إلى بطنه بثوب أو باليدين أو بحبل يجمعهما به مع ظهره.

 أخرجه الإمام أحمد فى مسنده / 29/344/17810- طبعة الرسالة تحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط وقال صحيح على شرط مسلم .
وأخرجه أيضا النسائى فى السنن الكبرى رقم 8301، وابن حبان فى صحيحه رقم / 7092.

·       المعطيات   :

1-    وجود حالة فزع داخل المدينة والفزع هو الخوف الشديد الذى يصاحبه تأهب وحركة وتحول واضطراب

2-    لم يذكر عمرو بن العاص رضى الله عنه سبب الفزع فى بداية الحدث ولم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم فى نهاية الحدث لكى لا يتوقف الحكم على سبب خاص وبالتالي فوجود لفزع في الأمة أيا كان سببه يقضى بوجوب الرجوع إلى الآلية التى أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم للنجاة منه

3-    تباين مواقف شرائح المجتمع المسلم أمام هذا الفزع إلى أربعة مواقف:


§      الاختيار الحاسم غير المتردد من أول وهلة : وهو موقف سالم مولى أبى حذيفة رضى الله عنهما – وهو من السابقين الأولين البدريين المقربين العالمين -  فقد حبس نفسه فى المسجد بجوار منبر النبي صلى الله عليه وسلم 

§      الاختيار الناظر العاقل ،  المرجح لأحد الأمرين التابع لمن سبقه فى اختيار الأفضل :
 وهو موقف عمرو بن العاص رضى الله عنه – داهية قريش ورجل العالم ومن يضرب به المثل فى الفطنة والدهاء والحزم .

§       التحير وضياع الرؤية الصحيحة : وهذا موقف الناس الذين غلبهم الخوف وتسلط عليهم الفزع فتفرقوا يذهبون هكذا وهكذا .

§      النظر والإرشاد والتعليم والقيادة : وهو موقف النبي صلى الله عليه وسلم –  القائد المعلم المربي – فقد نظر صلى الله عليه وسلم إلى الحدث ونظر أيضا إلى تباين مواقف الناس إزاء الحدث ثم خرج إليهم كى يفيء الجميع إليه فيشرح لهم ويعلمهم ويعطى كل صاحب موقف حقه من الإنصاف.
4-    تنوع مستويات الحلول بالنظر إلى مقتضى الحال فالحديث أشار إلى وجوب المفزع إلى الله ورسوله عند كل فزع وهذا هو المستوى الأول لكن إذا وصل الفزع إلى درجة يغيب معها بعض العقل عند بعض الناس أو يغيب العقل تماما عند البعض الآخر أو لا تتضح الرؤية بصورة سهلة مما يوقع فى الحيرة والاضطراب هنالك يجب على هذا الصنف من الناس أن يقلد غيره من أهل الإيمان والعقل الراشد الذين لا يتحيرون أمام الفتن والفزع الشديد وهذا هو المستوى الثاني .

·        الواقع  :

1-     لا توجد دولة فى العالم اليوم خالية ممن حالة فزع أو أكثر وخاصة الدول الإسلامية ، فهذه دولة فزعة من الناحية الأمنية وأخرى من الناحية الاقتصادية وثالثة من الناحية الاجتماعية ورابعة من الناحية السياسية وخامسة من الناحية العلمية والفكرية وربما جمعت دولة أخرى الفزع من جميع النواحى .

2-    ما زالت بعض الدول الإسلامية تعود فى وضع نظامها إلى أعدائها من أصحاب المرجعية الاشتراكية الشيوعية أو أصحاب المرجعية الرأسمالية الأمريكية والأوربية أو غيرها من المرجعيات المبنية على فصل الدين عن مفاصل الحياة كالسياسة والاقتصاد والحكم والأمن وغير ذلك .

3-    لا شك أن الأمة الإسلامية لا تخلو أبدا من طائفة كسالم مولى أبى حذيفة رضى الله عنهما ولا تخلو أيضا من طائفة كعمرو بن العاص رضى الله عنه كذلك لا تخلو من طائفة تحتاج إلى من يقودها إلى بر الأمان ولا تخلو كذلك من مرجعية حفظها الله عز وجل لن نضل أبدا إذا تمسكنا بها وأخذت طريقها إلى التفعيل فى واقع الحياة ألا وهى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

4-    النظر إلى الطوائف السابقة من حيث القلة والكثرة يجد أن طائفة سالم مولى حذيفة رضة الله عنهما عبر التاريخ هم الأقل عددا يليها طائفة عمرو بن العاص رضى الله عنه – ربما بفارق غير كبير – يليها طائفة الناس الذين فزعوا فى المدينة وهم الذين يمثلون عبر التاريخ الكثرة العددية التى تحتاج دائما إلى قيادة راشدة معلمة هادية إلى الصراط المستقيم وتلك القيادة من الطائفتين الأوليين .

·      ما يجب عمله:

يكفى تماما فى هذا المحور ماقاله النبي صلى الله عليه وسلم " ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله ،ألا فعلتم مثل هذان الرجلان المؤمنان " وقد سبقت الإشارة إلى مافى الجملتين الشريفتين من معطيات ترشدنا إلى ما يجب ، ومن رصد للواقع الذى نعيشه اليوم يشير أيضا إلى ما يجب تغييره .

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

موازين القيم 10- ميزان (الاشعريين )


10- ميزان (الاشعريين )
معطيات – واقع - حلول


عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم "  
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشركة - باب الشركة في الطعام والنهد والعروض رقم 2354، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة - من فضائل الأشعريين رقم 2500 .

·      المعطيات :

1-      وجود حالة سياسية تتمثل في وجود طوائف متعددة داخل نطاق الدولة الإسلامية  (الأشعريين –  غيرهم)

2-      وجود حالة اقتصادية تمثل مشكلة من خلال صورتين :
§      أرملوا : فني زادهم أو قل في سفرهم أو غزوهم
§      قل طعام عيالهم بالمدينة

3-      وجود رؤية سياسية لحل المشكلة:  (جمعوا –  اقتسموا)

4-      تفعيل هذه الرؤية مع الحكم لصالحها وموافقتها للسنة النبوية،  والطريقة النبوية

5-      وحدة الأشعريين وقوة ترابطهم وتعاونهم فيما بينهم


·      الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم في ظل المعطيات السابقة :

1-    لا تخلو دولة إسلامية في واقعنا المعاصر من وجود الحالة الاقتصادية المشار إليها في الحديث الشريف

2-    غياب الرؤية السياسية في معظم الدول الإسلامية لمنظومة التكافل المرتكزة على ما قام به الاشعريون عندما تمر بهم نفس الحالة

3-    اقتصار الدول الإسلامية الغنية على إرسال المساعدات للدول الفقيرة أو التي تصاب بنازلة أو كارثة ما، وربما تشاركها في ذلك بعض الدول غير الإسلامية، ووفي جميع الأحوال لا تتحقق الآلية الصحيحة بصورة كاملة والمشار إليها في الحديث الشريف،  وبالرغم من هذا فهو جهد مشكور

4-    على المستوى العائلي والقبلي في بعض الدول الاسلامية، يتم تفعيل طريقة الأشعريين في نفس الحالة فتزداد رابطتهم وتقوى محبتهم فيما بينهم.

·      ما يجب عمله :

1-                        تنمية وعي الافراد والجماعات والحكومات في العالم الاسلامي لرؤية ما في الشريعة الإسلامية من حلول للمشاكل السياسية والاقتصادية مما يؤدي إلى تيسير قيام الوحدة الاسلامية ،  وهذا الدور التوعوي يجب أن تقوم به كل مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية

2-                        عدم  الاقتصار  في تفعيل الحديث الشريف على صورة واحدة، فإن كلمة( أو )في قوله : "أرملوا فى الغزو أو قل طعام عيالهم"  تشير إلى سببين مختلفين، وتحت كل سبب صور كثيرة ينطبق عليها نفس الحكم فإن كلمة (الغزو ) تشير إلى السبب الأول وهو: مجاهدة أعداء الأمة الإسلامية  لدفع عدوانهم وضررهم،  وليس يغيب عنا كيف تعددت صور الضرر الذى يلحقونه بالأمة الإسلامية في جميع المجالات،  وهذا الجهاد وما يستلزمه يحتاج إلى نفقات عالية وأموال طائلة يقل معها الطعام أو يفنى وكلمة (بالمدينة) تشير إلى السبب الثانى وهو: النوازل القدرية التى تصيب المسلمين بكرب أو شدة يحتاجون معها إلى ضرورات حياتهم

3-                        العمل على ألا تكون هناك أنانية ولا شح عند الجمع  ولا مفاضلة عند الاقتسام

4-                        المسارعة إلى نيل فضيلة ومنقبة (فهم مني وأنا منهم ).
أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

موازين القيم 9- ميزان ( السفينة )





معطيات – واقع - حلول

حديث النعمان بن بشير- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين فى أسفلها إذا استسقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكو جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا " .
 أخرجه البخارى فى صحيحه/ كتاب الشركة رقم 2493،  والشهادات  رقم 2686

·      المعطيات  : الحديث الشريف يشير إلى:

1-    وجود فريقين، أحدهما:قائم على حدود الله، الثاني:  واقع فيها .

2-     وجود مكان واحد ينقسم إلى قسمين: أعلا ، وأسفل .

3-    وجود الاحتياجات الضرورية  ( الماء – السفينة(المكان) –  الأمن) .

4-    تعدد الرؤى والتصورات تجاه الاحتياجات الضرورية ( فريق يرى أن لا يؤذى غيره - أي يحقق له الأمن بعدم تكرار المرور عليه –  وفريق يرى أن خرق السفينة من أسفل يهلك الجميع ) .

5-    تفعيل الرؤية الأحادية مع وضوح الضرر  .

6-    يشير الحديث إلى مفردات متنوعة:  اقتصادية ( نصيبنا ) و سياسية (نؤذ من فوقنا) وفرقة  (تركوهم) و وحدة ( جميعا ) .


·      الواقع الذى يعيشة العالم الإسلامى اليوم  :

بالنظر إلى المعطيات السابقة من الحديث الشريف نجد أن الواقع هو  :

1-    العالم الإسلامى بكل دوله هو السفينة

2-    كل دولة فى العالم الإسلامي اليوم بالنظر إلى مواردها واحتياجاتها ورؤيتها صالحة فى أن توضع فى أعلى  السفينة مرة وفى أسفلها مرة أخرى

3-    هناك من الدول الإسلامية من  ..
§      تمتلك موارد اقتصادية متعددة وكبيرة تفوق احتياجاتها
§      ومنها من تمتلك موارد على قدر احتياجاتها دون فائض
§      ومنها من تمتلك على قدر ضروراتها
§      ومنها من لا تمتلك موارد لسد ضروراتها
وبالتالى لو لم تسد الدول التى تمتلك فوق احتياجاتها ضرورة الدول الفقيرة لأدى ذلك إلى لجوء الدول الفقيرة إلى فتح ثغرة فيها لكل متربص بهذه الأمة لينفذ منها إلى بقية جسد الأمة كنفوذ الماء من أسفل السفينة إلى أعلاها حتى يغرقها  .

4-    تعددت الأنظمة السياسية فى دول العالم الإسلامي، وكذلك تعددت الأنظمة الاقتصادية، وبالتالى تعددت منطلقات الرؤية فيها فنتج عن ذلك تفرق وتشتت أدى إلى صراع المصالح وانتشرت الأنانية المفرطة .

·      ما يجب عمله  :

1-      إمكانية وحدة الأمة الإسلامية بصورة ناجحة مع احتفاظ كل دولة بقيادتها الخاصة، فهذا الحديث الشريف تأصيل لهذا المعنى، واثبات لتحققه فلم يشترط لنجاة السفينة كلها أن يتوحدوا فى أعلاها أو يتوحدوا فى أسفله، بل الشرط فقط أن يتوحدوا فى منع الضرر والأذى عن كليهما، وهذا الأمر فى غايةالسهولة، وتفعيله لا يحتاج  إلا إلى إرادة سياسية عند القادة والحكام .

2-      الموارد الإقتصادية تتوقف إدارتها على حسن إدارتها وكيفية تفعيلها،  فالحديث الشريف يشير إلى عنصرين أساسيين فى الإبقاء على الحياة والوجود وهما الماء –  السفينة ( المكان) .

3-      خيرية الأمة قائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،  وبالتالى  فلابد أولا من معرفة واسعة عميقة لما هو معروف وما هو منكر حتى يسهم كل فرد فى الأمة على أسس صحيحة فى إقامة هذا الأصل وتفعيله فى المجتمع وبذلك تكثر الوسائل التى تحقق وحدة الأمة الإسلامية.

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

الأربعاء، 1 مايو 2013

موازين القيم 8- ميزان ( السياحة )



8- ميزان ( السياحة )

السياحة المقصودة هي التي :
- تؤكد علي معني التعرف علي قدرة الله عز وجل في خلقه وكونه .
- وهي التي تؤكد مقدرة الإنسان -بعد النظر والاعتبار- على اختيار الطريق الذي يسعده ، أو الطريق الذي يشقيه.
- وهي التي تؤكد وتبرز أن الحق تبارك وتعالي خلق الكون الفسيح هذا ، من أجل أن يتعرف الإنسان علي مظاهر عظمته ، وقدرته ، وصفات جلاله وكماله وجماله.
فالسياحة في الأرض تعني كل هذه المعاني .
 وفي نفس الوقت هي:
- فريضة ربانية حيث أتى أمر الله تبارك وتعالى بالسير في الأرض والنظر فيها، قال سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) سورة النمل (69)
وقال عز وجل: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة العنكبوت (20)
- وهي التى تعني كذلك استخدام كل الجوارح من سمع وبصر وحواس في الوصول إلي حقائق الكون وسنن الله المبثوثة في خلقه.
- وتعني كذلك تواصلا بين الناس من مختلف الأجناس والأعراق مع اختلاف ثقافاتهم وبيئتهم.
 والتواصل بين الناس في حد ذاته أمر محمود حيث جعله الحق تبارك وتعالى وسيلة لغاية يجب أن يسعى إليها ، وطريقا لهدف يجب أن يتحقق وهو التعارف بين الناس .
قال تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " الحجرات(13).
ومن ثم تكمن أهمية السعى في الأرض ، والتأمل فى قوانين الله ، وسننه فى كونه ، والتواصل مع الناس ، ومعرفة أخلاقهم ، وثقافاتهم ، لا من أجل الهيمنة عليهم ، والسطو على مقدراتهم ، والتناكر والتناحر والإقتتال الدامى الذى نراه اليوم فى العالم ، بل من أجل أمر أسمى ، وأرقى ، وهو التعارف والتآلف وتقديم الخير والمساعدة.
ولذلك حذر الحق تبارك وتعالى من الفرقة والاختلاف لأنه يؤدى إلى إبراز مظاهر العداوة والشقاق .
وهذا الجو ليس مناسبا أبدا لتقديم العون ، أو المساعدة على الخير ، فضلا عن أن يكون بيئة صالحة للتواصل.
 قال تعالى مذكرا بنعمه على عباده الذى استجابوا لأمره " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)" سورة آل عمران.
فمن الرسائل المهمة لتحقيق معنى الأخوة ، أو على الأقل التمهيد لها السياحة فى الأرض بالمعانى التى أشرنا إليها سابقا .

ومن زاوية أخرى :
لا يخفى على أي ناظر فى السنة النبوية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل سياحة أمته الجهاد في سبيل الله .
عن أَبي أُمَامَة - رضي الله عنه - : أنَّ رجلاً ، قَالَ : يَا رسولَ اللهِ ، ائْذَنْ لي في السِّيَاحَةِ فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ - عز وجل - )) رواه أَبُو داود بإسنادٍ جيدٍ .  
  ٍوهنا تبرز بعض المعانى الأخري للسياحة فى الأرض ، منها:
- عدم الركون إلى الراحة ، والدعة ، بل مواصلة الحركة ، والسعي ، والضرب فى الأرض ، وفى ذلك منافع حسية ، ومادية عظيمة .
-  فتح الطرق أمام دعوة الله ، ومنهجه ، ليلامس قلوب المعرضين عنه فيجذبهمٍ ، وعقول الصادين عنه فيقنعهم ، ونفوس المهاجمين له ولأتباعه فيردعهم .
وهؤلاء جميعا يجب مرافقتهم من مدخل قوله تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) سورة النحل.

ومن زاوية ثالثة :
هناك علاقة وثيقة بين السياحة فى الأرض ، وبين سنن الانتقاء ، والاصطفاء.
 فكما أن السياحة فى الأرض تعنى النظر والاعتبار ، فإن حقيقة هذا النظر ، ومآله  ، تعود إلى انتقاء ، واصطفاء ما هو نافع ، وتحصيل الأفضل ، والأصلح ، وكل ما فيه ارتقاء بالفرد ، والمجتمع ، والعالم بأسره .
ويدل على ذلك ما أ خرجه الترمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، فَإِذَا، وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ، فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللهُ: أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ . فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي ؟ فَيَقُولُونَ: لَا . فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟  فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا لَكَ أَشَدَّ تَحْمِيدًا وَتَمْجِيدًا وَذِكْرًا . فَيَقُولُ: فَأَيَّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ . فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا . فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا . قَالَ: فَيَقُولُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ . فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَا . قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا، وأشد منها خوفًا . قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم . قال: فيقولون: فَإِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَطَّاءَ، لَمْ يُرِدْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ . فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ".حديث حسن صحيح.
فهذا يعطينا أبعادا أخرى ، وآفاقا أرحب لبرامج سياحية مستلهمة من بعض وظائف الملائكة ، وأعمالهم ، حتى تكون
 سياحة بنى آدم فى الأرض، إقتداء بسياحة الملائكة عليهم السلام .

وختاما أقول:
إن السياحة فى الأرض من أهم روافد تغذية العقل والروح وتنمية الخشية من الله عز وجل والسمو بمشاعر الحب لله تبارك وتعالى.
قال الله عز وجل (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)) سورة الغاشية.

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

موازين القيم 7- ميزان (بداية الانحراف).


7- ميزان (بداية الانحراف).

ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (15/485)
خلال ترجمة الإمام الصِّبْغِيُّ أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ أَيُّوْبَ النَّيْسَابُوْرِيُّ.
)
قال محمد بن حمدون: وَقَدْ سمِعْتُه -يعنى الصبغى- وهو يخَاطب فقيها ، فَقَالَ:حدّثونَا عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ حَرْب، فَقَالَ-أي الفقيه- لَهُ : دَعْنَا مِنْ حَدَّثَنَا، إِلَى مَتَى حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا؟
فَقَالَ:يَا هَذَا، لَسْت أَشمُّ مِنْ كَلاَمك رَائِحَةَ الإِيْمَان، وَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُل هَذِهِ الدَّار، ثُمَّ هَجَره حَتَّى مَاتَ.(

قلت: هكذا كان الأئمة يعظمون شأن الإسناد لأن اعتقادهم الجازم ان الإسناد من الدين فإن من كره الطريق الموصل إلي الدين يوشك عما قريب أن يكره الدين نفسه وبالضرورة لا يكره الإسناد إلا منافق فبالإسناد تستقيم الأدلة وتستبين أصول المسائل .
لذلك رأى الإمام الصبغي بثاقب حسه الإيماني بداية انحراف عن الجادة والصواب وعن الطريق الأمثل فى تلقى العلم والمحافظة عليه لذلك كانت وقفته حاسمة ، حتى وإن كانت بداية الإنحراف يسيرة ، ولكنها في الوقت نفسه صادرة من فقيه وهنا تكمن الأهمية .
لذلك ضرب الإمام الصبغى أعظم مثال لعلماء السلف الصالح -رضوان الله عليهم -الذين كانوا فى غاية القوة والحزم مع كل من تسول له نفسه ، وتراوده نزواته فى أن ينتقص من أمر الدين ، أو يحقر أي شأن من شئونه، مهما صغر.
فها هو الإمام يعنفه بشدة ويهجره ويمنعه من دخول داره بل ويتهمه بأن كلامه لا يشم منه رائحة الإيمان .
كل ذلك من أجل أنه قال: دعنا من حدثنا .
ولعله لا يقصد التهاون بها ، ولا التقليل من شأنها على الإطلاق ، وربما يكون غاية الأمر عنده هو الرغبة في الدخول مباشرة إلى متن الحديث الخاص بالمسألة التى يناقشها مع الإمام الصبغي فهوفى النهاية -وكما ورد فى الرواية- يخاطب فقيها .
أقول : كيف إذا رأى الإمام الصبغي اليوم ، وسمع من يتهم الدين صراحة بأنه أفيون الشعوب ، وبأن الأحكام الشرعية تخلف ، ورجعية ، وأن تطبيق النظام الإسلامى فى شتى مجالات الحياة عودة إلى الظلام ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

موازين القيم 6 - ميزان ( السير، والفتيا ، والقضاء)


                6 - ميزان ( السير، والفتيا ، والقضاء)

قال الإمام الحافظ أبو حامد أحمد بن بشر المروروذى: " السير بحر الفتيا وخزانة القضاء وعلى قدر اطلاع الفقيه عليها يكون استنباطه". طبقات السبكى جـ 3 / صـ 13

قلت : هذا كلام صحيح صدر من عالم أجاد دراسة سير الأنبياء والعلماء فتزود منها بما ساعده على الارتقاء بملكته العلمية في فنون كثيرة .
وقد قال الله سبحانه وتعالى فى شأن سير الأولين " لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ...."الآية .
وإن الناظر إلى الكتب التى صنفت فى تراجم الرجال، وسيرهم يدرك أن أصحابها من أئمة الفقه والحديث والتفسير الذين تميزوا فى جميع فروع العلوم الإسلامية من أمثال الإمام الذهبي وابن حجر والسبكي وغيرهم .
وبالرجوع إلى قوله يدرك الناظر أنه أمام منهج متكامل للعلاقة بين الفقه والسيرة .
فالمفتى لا بد أن يكون فقيها والقاضى كذلك ولايتقلد منصب المفتى إلا من كان بحرا فى علوم كثيرة .
وكذلك يلزم من يتصدى للقضاء أن يكون قد امتلأ علما ، وأن يكون صاحب عقل وقلب خازن للأدلة والبراهين بحيث يستطيع أن يبنى حيثيات قضاءه على أصول وأدلة ثابتة . وكل من المفتى والقاضى يحتاجان معا إلى دراية تامة بسير الأنبياء ، والعلماء ، وتصرفاتهم ، وأحكامهم ، ومعالجاتهم للأمور ، والوقائع التى مروا بها ، كي تتم لهم أدوات الاستنباط ، والاستدلال الصحيح من الوقائع التى سبقت .
لذلك وجه أبو حامد المروروذى أنظار طلبة العلم والعلماء إلى العكوف على دراسة السير دراسة متقنة مستفيضة فإنها كنز الأسرار لعلوم الشريعة التى لا تنضب .

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم

موازين القيم 5- ميزان (الخذلان)


5- ميزان (الخذلان)

1-الاشتغال بالنظر والتعمق في ما حجب الله علمه عن الناس مثل علم القدر فهو غيب لا يعلم قبل نزوله
لذا قال  الإمام الطحاوي رحمه الله : "وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 23]. فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ".راجع : شرح العقيدة الطحاوية/صـ 249
 قلت :لأن فيه تضييع للوقت والجهد دون تحصيل أي فائدة ، وهو تبديد للطاقة الذهنية والمعرفية ، بل في أحيان كثيرة يجر إلي إنكار حكمة الله عز وجل في خلقه .

2- رفع الإنسان نفسه فوق قدرها . لأن هذا مظهر من مظاهر الطغيان ,ومما لا يشك فيه عاقل أن كل من تجاوز حده لم يجد له ناصرا .
لذلك ربط التوفيق بالتوكل على الله عز وجل ، والتبري من الحول والقوة  إلا به سبحانه ، وفي القرآن الكريم تربية وتأكيد لهذا المعنى .
قال تعالى : "وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ  "  سورة هود\88
فالخذلان : هوسلب العبد الإعانة التي تقويه علي نفسه والشيطان .

1- اتباع الأهواء وما تستحسنه النفس .
قال تعالى { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  } سورة القصص(50)
لذا قال الإمام ابن حزم : " فمن حكم في دين الله عز و جل بما استحسن ، وطابت نفسه عليه ، دون برهان من نص ثابت ، أو إجماع ، فلا أحد أضل منه ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان" راجع: الإحكام في أصول الأحكام/صـ 134.

2-  معاداة أولياء الله عز وجل .
قال تعالى "وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ " سورة الحشر(10)
وفي الحديث القدسي: " إن الله قال : من عادى لى وَلِيًّا فقد آذَنْتُهُ بالحرب وما تقرب إلىَّ عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه وما يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يُبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وإن سألنى لأعطينه وإن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" ( صحيح البخارى (5/2384 ، رقم 6137) عن أبى هريرة رضي الله عنه.

أخوكم
د/ محمد سعد قاسم